محمد سالم أبو عاصي

54

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

ويجيب كذلك عن هذه المغالطة السيوطي - رحمه اللّه - بقوله : " إنّ القرآن إنما نزل بلسان عربي ، في زمن أفصح العرب ، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه . أما دقائق باطنه ؛ فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر ، مع سؤالهم النبي صلى اللّه عليه وسلم في الأكثر ، كسؤالهم لمّا نزل قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [ سورة الأنعام : 82 ] ، فقالوا : وأيّنا لم يظلم نفسه ؟ ! ففسره النبي صلى اللّه عليه وسلم بالشرك ، واستدل عليه بقوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ سورة لقمان : 13 ] ، وكسؤال عائشة إياه عن الحساب اليسير فقال : " ذلك العرض " ، وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود ، وغير ذلك مما سأل عنه آحاد منهم . ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه ، وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر ؛ لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم ، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير " . . ثم يقول : " وأما القرآن . . فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا أن يسمع من الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك متعذر ، إلا في آيات قلائل ، فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل " « 1 » . أما المغالطة الثانية ؛ فمؤداها : الدعوة إلى عزل الاستخدام اللغوي القرآني عن المعهود من لغة العرب ، وعن السنّة النبوية كذلك ، وتبني المعهود الغريب والحديث ونقله في فهم القرآن الكريم « 2 » . والجواب : لا يخفى أن القرآن الكريم بيان اللّه لمراده التشريعي ، نزل بلسان عربي مبين - على ما سبق - ولما كانت المعاني المودعة في البيان القرآني ذات

--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ، ط . الحلبي ، 2 / 174 . ( 2 ) انظر : العالمية الإسلامية الثانية : جدلية الغيب والإنسان والطبيعة ، محمد أبو القاسم حاج حمد ، 1 / 65 .